علي محمد علي دخيل
727
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
منهال القصاب قال : قلت لأبي عبد اللّه ( ع ) : ادع اللّه أن يرزقني الشهادة فقال : إن المؤمن شهيد وقرأ هذه الآية ، و عن الحرث بن المغيرة قال : كنا عند أبي جعفر عليه السّلام فقال : العارف منكم هذا الأمر ، المنتظر له ، المحتسب فيه الخير ، كمن جاهد واللّه مع قائم آل محمد ( ع ) بسيفه ، ثم قال بل واللّه كمن جاهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بسيفه ، ثم قال الثالثة : واللّه كمن استشهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في فسطاطه ، وفيكم آية من كتاب اللّه ، قلت : وأيّ آية جعلت فداك ؟ قال قول اللّه عزّ وجل : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، ثم قال : صرتم واللّه صادقين شهداء عند ربكم . والمراد بالشهداء الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم ، وهو قول ابن عباس ومسروق وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يبقون فيها دائمين . ثم زهد سبحانه المؤمنين في الدنيا والركون إلى لذاتها فقال اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا يعني ان الحياة في هذه الدار الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي بمنزلة اللهو واللعب إذ لا بقاء لذلك ولا دوام ، ويزول عن وشيك كما يزول اللهو واللعب وَزِينَةٌ تتزينون بها في الدنيا وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ أي يفاخر الرجل بها قرينه وجاره عن ابن عباس وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ يجمع ما لا يحل له تكاثرا به ، ويتطاول على أولياء اللّه بماله وولده وخدمه والمعنى : أنه يفني عمره في هذه الأشياء . ثم بيّن سبحانه لهذه الحياة شبها فقال كَمَثَلِ غَيْثٍ أي مطر أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ أي أعجب الزراع ما ينبت من ذاك الغيث ثُمَّ يَهِيجُ أي ييبس فَتَراهُ مُصْفَرًّا وهو إذا قارب اليبس ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً يتحطم ويتكسر بعد يبسه وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لأعداء اللّه وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لأوليائه وأهل طاعته وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ لمن اغترّ بها ولم يعمل لآخرته . قال سعيد بن جبير : متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة ، ومن اشتغل بطلبها فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منه . وقيل معناه : والعمل للحياة الدنيا متاع الغرور ، وانّه كهذه الأشياء التي مثّل بها الزوال والفناء . 21 - 25 - ثمّ رغّب سبحانه في المسابقة لطلب الجنة فقال سابِقُوا أي بادروا العوارض القاطعة عن الأعمال الصالحة ، وسارعوا إلى ما يوجب الفوز في الآخرة إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ إلى التوبة وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي وسابقوا إلى استحقاق ثواب جنة هذه صفتها وذكر العرض دون الطول ، ان الطول قد يكون بلا عرض ولا يكون عرض بلا طول ، والمراد به : ان العرض مثل السماوات والأرض ، وطولها لا يعلمه إلا اللّه تعالى أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي ادّخرت وهيئت للمؤمنين بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وقيل معناه : ان أحدا لا ينال خيرا في الدنيا والآخرة إلا بفضل اللّه ، فإنه سبحانه لو لم يدعنا إلى الطاعة ، ولم يبين لنا الطريق ، ولم يوفقنا للعمل الصالح لما اهتدينا إليه ، وذلك كله من فضل اللّه ، وأيضا فإنه سبحانه تفضل بالأسباب التي يفعل بها الطاعة : من التمكين ، والألطاف ، وكمال العقل ، وعرض المكلف للثواب ، فالتكليف أيضا تفضل وهو السبب الموصل إلى الثواب ، وقال أبو القاسم البلخي : ان اللّه سبحانه وتعالى لو اقتصر لعباده في طاعاتهم على مجرد إحساناته السالفة إليهم لكان عدلا ، فلهذا جعل سبحانه الثواب والجنة فضلا . وفي هذه الآية أعظم رجاء لأهل الإيمان ، لأنه ذكر ان الجنة معدّة للمؤمنين ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي ذو الافضال العميم ، والإحسان الجسيم إلى عباده ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ مثل قحط المطر ، وقلة النبات ، ونقص الثمرات